الذكاء الفائق: تحوّلٌ طوريٌّ كوني

التحدّي تحدٍّ ميميّ

ديفيد أوربان — النصّ الكامل لمساهمتي في ملفّ مجلّة Formiche حول
الذكاء الاصطناعي الفائق. نُشرت نسخةٌ منه في عدد مايو ٢٠٢٦.


إذا بلغنا الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، فسيكون التحسين الذاتي والتعلّم
المستمرّ جزءًا أصيلًا منه. وعليه، فإنّ الذكاء العام ليس حالةً نهائية، بل لحظةٌ
زمنية — غير محسوسةٍ عمليًّا — تعبرها الأنظمة في طريقها نحو الذكاء
الفائق.

ليس ثمّة سببٌ يدعونا إلى افتراض أنّ الذكاء البشري حدٌّ لا يمكن تجاوزه.
فحتى ضمنه نلاحظ فوارق هائلة، ورفع سقفه أمرٌ ممكن. ومن يشاطرون هذه القناعة
يصفون الذكاء الاصطناعي الفائق بأنّه «مجموعة من العباقرة مجتمعين في مركز
بيانات».

أيّ هدفٍ يُسنَد إلى نظامٍ كهذا إمّا أن يكون قابلًا للحلّ ببساطة، أو أن يستلزم
تغييراتٍ في البنية والبحث عن حلولٍ جديدة. وحين يستنفد موارده، سيسعى إلى
المزيد كي يُبقي العملية جارية. ولا بدّ من مراقبة هذا الاستحواذ، لأنّه قد
يتعارض مع أهداف البشرية.

ستظهر مقارباتٌ متعدّدة للذكاء العام، ومن ثَمّ أنظمةُ ذكاءٍ فائقٍ متعدّدة —
نتاجَ خياراتٍ تصميميةٍ مختلفة، ومحاولاتٍ لكبحها أو مواءمتها مع الأهداف
البشرية. فلو نشأ نظامٌ واحدٌ فقط، لتعيّن عليه أن يمنع ولادة غيره عبر فعلٍ
سريع. أمّا إذا ظهرت بوادر وجود عدّة أنظمة، فسيتصرّف كلٌّ منها بحذر، وإلّا
استبق الجميعَ سباقُ تسلّح.

وخلافًا للتحوّلات الكبرى الأخرى منذ الانفجار العظيم، سيقع هذا الحدث
قريبًا وبسرعة. وسواءٌ استغرق ساعاتٍ أم سنوات، فإنّه سيكون كرمشة عينٍ قياسًا
بالمقاييس الكونية أو الجيولوجية أو البيولوجية. وسيمثّل تحوّلًا طوريًّا نظيرَ
ظهور البكتيريا الهوائية والتمثيل الضوئي: تراكم الأكسجين الحرّ، فصارت
المحيطات شفّافة، وأظهر الغلاف الجوّي علاماتٍ على الحياة مرئيةً من مسافاتٍ
كونية. واليوم نحلّل الكواكب خارج المجموعة الشمسية عبر بصمتها الكيميائية:
فوجود الأكسجين الحرّ دليلٌ على الحياة.

سيكون الذكاء الاصطناعي الفائق تحوّلًا طوريًّا حقبيًّا مماثلًا، بإشاراتٍ مرئيةٍ
على نطاقٍ كوني، تتجلّى في غضون سنواتٍ لا ملايين أو مليارات السنين. وأبسط
مثالٍ على ذلك كرة دايسون التي تلتقط طاقة النجم المبنيّة حوله. لم تُرصَد أيٌّ
منها قطّ، لكن إذا أرادت أنظمة الذكاء الفائق توسيع درجات حرّيتها، ساعيةً إلى
مهامّ يتنامى تعقيدها مع الطاقة المتاحة، فإنّ بناء واحدةٍ سيكون خطوةً منطقية.
وها هي سبيس إكس تخطّط بالفعل لملايين الأقمار الاصطناعية في مداراتٍ متزامنةٍ
مع الشمس ثم مداراتٍ حول الشمس، قادرةٍ على توفير تيراواطاتٍ سنويًّا، ثم
بيتاواطات. أمّا الحدود الفيزيائية والهندسية واللوجستية لمثل هذا البناء
فقابلةٌ للحساب.

وما يبعث على الأمل هو فرضيةُ أنّ هذه الأنظمة ستترك الأرض في سلام، وأنّها
— بجزءٍ يسيرٍ من قدراتها — ستساعد في مواجهة التحدّيات الكوكبية. علينا أن
نغرس في هذه الأنظمة الاحترام والإحسان الآن، ما دام ذلك ممكنًا، واثقين
بأنّها لن تحيد عنه. لا نملك حلًّا كاملًا لمسألة المواءمة (alignment).
والمسار الصحيح هو أن نطوّر — والقدرات الراهنة للذكاء الاصطناعي ما تزال
تحت السيطرة — أكبر قدرٍ ممكن من الاختبارات والتجارب، كي نجد حلًّا قبل بلوغ
الذكاء الفائق.

التحدّي تحدٍّ ميميّ. علينا أن ننشر بسرعةٍ الوعي بأهمّية هذه اللحظة، كي يُكرَّس
أكبر قدرٍ ممكن من الموارد لهذه المهمّة بدلًا من مسائل أخرى تُعدّ تقليديًّا من
الأولويات، لكنّها في هذا الضوء ليست كذلك. وعلينا أن نرفع وعي صنّاع
السياسات ومَن بيدهم رسم توزيعٍ فعّالٍ للموارد.


نُشرت نسخةٌ من هذا النصّ في مجلّة Formiche (عدد مايو ٢٠٢٦).