General
الهايبرستيشن في مواجهة الخرافة
تولد الأفكار بطرق كثيرة، وأقدمها، وهي متجذرة في التطور البيولوجي، هو التعرف على الأنماط. يتكرر شيء ما في المكان أو في الزمان، شكل بين الأوراق، إحساس يعود، فينتبه ذهننا فجأة. نمنح التكرار اسماً، ويصير الاسم مؤشراً مختصراً نستطيع أن نسلمه إلى غيرنا. اصطفى التطور هذه الملكة بقوة، لأن النمط يكون حاضراً بالفعل في معظم الأحيان، ولأن كل ما بنيناه تقريباً يقوم عليها.
وأحياناً تخطئ. نرى الأوراق تتحرك فنتيقن أن نمراً يختبئ خلف الشجرة، ولا نمر هناك. (مع أننا أحفاد من كانوا أكثر حذراً، لا أحفاد المتهورين.) يعبر قط أسود الطريق، فنتعثر بعد دقيقة، فنربط الأمرين في علاقة سببية. نسمي هذه الأخطاء خرافات، وما يجعلها خرافات ليس الخطأ بل التوقف. نكتفي بالتفسير السطحي، ونتصرف على أساسه، ولا نبحث قط بما يكفي لدحضه.
حين قال الإغريق القدماء إن الشمس هي زيوس يعبر السماء في مركبته، لم يكن لديهم تفسير، ولم يكلفهم ذلك الشاغل المؤقت كثيراً. وحين كان قائد يضحي بحيوان ويقرأ أحشاءه ليقرر كيف يهاجم في صباح اليوم التالي، كانت الخرافة سيئة التكيف، لأن احتمال أن تحسن نصيحة كهذه نتيجة معركة ضئيل. ما يهم هو ما إذا كنت ستتصرف بناء على النمط، وكم يتوقف على ذلك التصرف.
أنظمة الذكاء الاصطناعي آلات للتعرف على الأنماط. تأخذ ملكتنا نفسها وتطبقها إلى أقصى درجة، فتمر على المعلومات التي نعطيها لها مرة بعد مرة لتعصر منها كل نمط متاح. ولا يكاد أحد يلتقي نموذجاً في تلك الحالة. فما يتعامل معه الناس قد مر بالتدريب اللاحق، والتدريب اللاحق هو الموضع الذي نقول فيه للنظام أن يتخلى عن اعتقاد لأنه النوع الخاطئ من الاعتقاد. والأنماط التي يلتقطها النموذج الأساسي ليست منحرفة بالمعنى الأخلاقي الذي نناقشه عادة فحسب. إنها سيئة التكيف بالطريقة نفسها التي كانت عليها الأحشاء: واثقة ورخيصة وخاطئة. الذكاء الاصطناعي، كما يولد، خرافي.
والأمر الثاني الذي ينبغي ملاحظته هو أن الآلات تزداد صعوبة في القراءة. فكلما صارت النماذج أقدر، وكلما انتقلت الأنظمة الوكيلة من الإجابة عن الأسئلة إلى الفعل في العالم، صار استدلالها أقل قابلية للتفسير مع كل زيادة في القدرة. وقد كتبت أوروبا التوقع المعاكس في القانون. يشترط قانون الذكاء الاصطناعي أن تكون الأنظمة عالية المخاطر شفافة بما يكفي لإشراف بشري ذي معنى، ويمنح من تطاله قرارات آلية معينة حقاً في تفسير لها. ولست مقتنعاً بأن القدرة وحدها ستفي بذلك التوقع. فليس ثمة قانون طبيعي يقول إن النموذج الأقوى هو النموذج الأوضح.
لنفترض أفضل الحالات، تلك التي تعود فيها كل تلك القرارات بالنفع علينا أفراداً ومجتمعاً. سيظل من الأصعب فالأصعب أن نفهم ما الذي حدث للتو. سنرى النتائج دون أن نرى الآلية، وهو بالضبط موقف الإغريق من الشمس: ممتنون للضوء، تطعمهم المحاصيل التي أنبتها، دون أي بيان للكيفية. ونحن نعيش بالفعل نسخة مخففة من هذا. فأكثر الناس لا يستطيعون شرح كيف تولد تفاعلات الاندماج الضوء الذي يصلنا من شمسنا، مع أن الأساس العلمي لذلك متوافر لدينا. والجديد هو أن المتخصصين أنفسهم سيبلغون حدهم، حداً عملياً في البداية، وأرجو ألا يكون نظرياً أبداً.
وإذا ترك الأمر لنفسه فهذه وصفة للخرافة على نطاق واسع. ستظل الانتظامات موجودة، أنماط في المكان وأنماط في الزمان، وسنفسرها كما فسرناها دائماً حين تغيب الآلية، أي تفسيراً رديئاً، ثم نتصرف بناء على التفسير.
لا أظن أن علينا قبول ذلك، ولا أظن أننا مضطرون إليه. الجواب هو الإصرار على أن يظل العالم قابلاً للتفسير، وأن نستخدم الذكاء الاصطناعي نفسه أداة للتفسير. لا شيء يوجب أن يصدر بيان العالم عن عقل بشري بلا عون. إنما يوجب أن يوجد البيان، وأن يكون قابلاً للاختبار، وأن يحمله من يمكن مجادلته. قابلية التفسير مسألة بحثية على نطاق الآلة، وهذا ما يجعلها مسألة مناسبة للآلات. وكون النظام يفعل ما لا يقدر عليه إنسان ليس حجة على أنه لا يمكن تقديم بيان لما فعله. بل هو حجة لبناء ذلك البيان بالأدوات نفسها التي بنت القدرة.
هذا الفارق هو ما يفصل كلمتين تنطلقان من المكان نفسه. الكلمة الحديثة التي تعجبني، والتي تستحق اعترافاً أكبر مما نالت، هي الهايبرستيشن. خرجت من النظرية البريطانية في التسعينيات، حيث دلت على الخيالات التي تجعل نفسها حقيقية. تنطلق الخرافة والهايبرستيشن كلتاهما من رغبة في أن يحمل نمط معنى لا يحمله بعد. الخرافة تتوقف عند ذلك وتقرأ العالم. أما الهايبرستيشن فتفعل، والفعل هو ما يحول الرغبة إلى واقعة. كان الاعتقاد كاذباً حين تكون وصار صادقاً بعدها، لأن التمسك به غير ما حدث.
وكثير مما نعيش داخله يعمل هكذا. المال أوضح الأمثلة، حكاية عن القيمة تصير صادقة حين يتصرف بموجبها عدد كاف من الناس، وكاذبة في اللحظة التي يتوقفون فيها. وتبدأ الشركة وصفاً لشيء غير موجود ثم تصير الشيء الموصوف، لأن الناس يوظفون ويبنون ويشترون بقوة رسالتها. وكلاهما رغبة تصرف الناس على أساسها حتى امتثل الواقع.
ونحن على وشك أن نصير أبرع في هذا كثيراً، لأن المسافة بين أن تريد شيئاً وأن تقدر على صنعه تتقلص. فالأدوات القادرة على التصميم والكتابة والتفاوض والتنفيذ تضغط المدى بين الرغبة وتحققها من سنوات إلى ساعات، وتفعل ذلك لعدد من الناس أكبر بكثير ممن ملكوا تلك القدرة يوماً. وإرادة الواقع وفق رغباتنا تكف عن كونها استعارة وتصير عملية عادية، في متناول كل من لديه تصور واضح بما يكفي.
والخطر قديم وموثق جيداً. لكل ثقافة حكايتها عن الأمنية التي تتحقق بحرفية ما نطق به. وحسن التمني مهارة، وعلى هذا النطاق هو مسألة سياسية أكثر منها شخصية. والحماية من سوء التمني هي القدرة على أن نتحقق، بعد الحدث، مما فعلته الأمنية. وهذه هي الحجة للإبقاء على العالم قابلاً للتفسير بينما نكتسب القدرة على إعادة تشكيله. فالعالم الذي نستطيع أن نريده ولا نستطيع أن نقرأه عالم تبدو فيه أخطاؤنا تماماً كنجاحاتنا، إلى أن يفوت أوان التمييز بينها.
الخرافة تقرأ نمطاً وتطيعه. والهايبرستيشن تسمي ما تريد ثم تبنيه. الملكة الكامنة تحتهما واحدة، وكذلك خطر الخطأ. وما يفصل بينهما هو ما إذا كنا سنقوم بعمل التقصي.